أبو حامد الغزالي
42
تهافت الفلاسفة
فلم يتيسر ، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل ، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية ، فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب الدليل ، فأعضل الداء ودام قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال » وهذه هي أزمة الشك العنيفة التي تصور الدور الثاني ؛ وفيها كان الغزالي لا يؤمن بشئ أصلا ، فلم يصح لديه دليل ولا مدلول ، لكن رحمة اللّه أسرعت به فانتشلته من هذه الوهدة السحيقة ، ولكن على أطوار ، مكنت له من الدليل أولا ، ثم في ضوئه هدته إلى الفرقة المحقة ثانيا ، قال : « وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال - أي بعد مرض الشهرين - ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين ، ولم يكن ذلك بنظم دليل ولا ترتيب كلام ، بل بنور قذفه اللّه تعالى في الصدر ، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف ، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة ، فقد ضيق رحمة اللّه الواسعة » . شد الغزالي يديه جميعا على العقل فرحا به مسرورا ، أما ما عداه فلم يأبه له ، وهذا العقل أو هذه الضرورة العقلية - كما يسميها هو - ما دامت موثوقا بها هذا الوثوق التام فإنها يمكن أن تتخذ وسيلة إلى العلم اليقيني الذي يبتغيه ، وبهذا يكون الغزالي قد خرج من الشك الذي كان دائرا حول موازين الحقيقة ، فهو الآن قد رضى الضرورة العقلية ميزانا ، أما الشك في الفرق ، لمعرفة أيها على حق فلم يخرج منه بعد ، وسيعقد لهذه الفرق امتحانا دقيقا في ضوء هذا الميزان ، قال : « ولما شفاني اللّه من هذا المرض انحصرت أصناف الطالبين عندي - يعنى للحق - في أربع فرق : 1 - المتكلمون وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر . 2 - الباطنية وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم ، والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم . 3 - الفلاسفة وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان . 4 - الصوفية وهم يدعون أنهم خواص الحضرة ، وأهل المشاهدة والمكاشفة .